ابن عطاء الله السكندري
8
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
داره فهل أنت تفعل ذلك ، وأضر ما يخاف عليك محقرات الذنوب لأن الكبائر ربما استعظمتها فتبت منها واستحقرت الصغائر فلم تتب منها فمثالك كمن وجد أسدا فخلصه اللّه منه فوجد بعده خمسين ذئبا فغلبوه ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 11 ) [ النور : 11 ] ، والكبيرة حقيرة في كرم اللّه فإذا أصررت على الصغيرة صارت كبيرة لأن السم يقتل مع صغره والصغيرة كالشرارة من النار والشرارة قد تحرق بلدة . من أنفق عافيته وصحته في معصية اللّه فمثاله كمن خلف له أبوه ألف دينار فاشترى بها حيات وعقارب وجعلها حوله تلدغه هذه مرة وتلسعه هذه أخرى أفما تقتله ؟ وأنت تمحق الساعات في مخالفته فما مثالك إلا كالحدأة تطوف على الجيفة حيثما وجدتها انحطت عليها فكن كالنحلة صغير جرمها عظيمة همتها تجنى طيبا وتضع طيبا ، طالما تمرغت في مواطن المحن فتمرغ في محاب اللّه عزّ وجل فهذه الحقيقة تبين طريقك ولكن من أماتته الغفلة لم تردّه النكبات لأن المرأة الناقصة العقل يموت ولدها وهي تضحك فكذلك أنت تنكب عن قيام الليل وعن صيام النهار وفي جميع جوارحك ولم تتألم وما ذلك إلا لأن الغفلة قد أهانت قلبك لأن الحي يؤلمه نقر الإبرة ولو قطع الميت بالسيوف لم يتألم فأنت حينئذ ميت القلب فاجلس مجلس الحكمة فيه نفحة من نفحات الجنة تجدها في طريقك وفي دارك وفي بيتك فلا يفتك المجلس ولو كنت على معصية فلا تقل ما الفائدة في حضور المجلس وأنا أعصى ولا أقدر على ترك المعصية ؟ بل على الرامي أن يرمى فإن لم يأخذ اليوم يأخذ غدا . اعلم يا هذا إياك والمعصية فقد تكون سببا لتوقف الرزق فاطلب من اللّه التوبة فإن قبلت وإلا فاستغث باللّه وقل : قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) [ الأعراف : 23 ] ، ولا تكن كمن أتى عليه أربعون سنة ولم يقرع باب اللّه قط وأكثر ما يخاف عليك سوء الخاتمة والعياذ باللّه تعالى بسبب إطفاء جمرة الإيمان بسواد العصيان وهي الذنب على الذنب حتى يسودّ القلب من غير توبة . إياك أن تتهاون في أعمالك وتختار الطيبات لمرحاضك واحذر نفسك التي بين جنبيك فهي التي تحطب عليك ثم لا تفارق صاحبها إلى الممات والشيطان يفارق في رمضان لأنه تغل فيه الشياطين وربما تجد من يقتل فيه ويسرق فهذا من النفس فإذا مالت إلى المعصية فذكرها بعذاب اللّه والقطيعة عن اللّه بسببه .